ابن الأثير
19
أسد الغابة ( دار الفكر )
قال الواقدي : ورأينا أهل العلم يقولون : كل من رأى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم وقد أدرك الحلم فأسلم ، وعقل أمر الدين ورضيه ، فهو عندنا ممن صحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ولو ساعة من نهار ، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام . وقال أحمد بن حنبل : أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كل من صحبه شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه ، وقال محمد بن إسماعيل البخاري : من صحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه . وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب [ ( 1 ) ] : لا خلاف بين أهل اللغة في أن الصحابي مشتق من الصحبة وأنه ليس مشتقا على قدر مخصوص منها ؛ بل هو جار على كل من صحب قليلا كان أو كثيرا ، وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال ولذلك يقال : صحبت فلانا حولا وشهرا ويوما وساعة ، فيوقع اسم الصحبة لقليل ما يقع عليه منها وكثيره ، قال : ومع هذا فقد تقرر للأمة عرف ، أنهم لا يستعملون هذه التسمية إلا فيمن ، كثرت صحبته ، ولا يجيزون ذلك إلا فيمن كثرت صحبته ، لا على من من لقيه ساعة أو مشى معه خطا ، أو سمع منه حديثا ؛ فوجب لذلك أن لا يجرى هذا الاسم إلا على من هذه حاله ، ومع هذا فان خبر الثقة الأمين عنه مقبول ومعمول به ، وإن لم تطل صحبته ولا سمع منه إلا حديثا واحدا ، ولو رد قوله أنه صحابي لرد خبره عن الرسول . وقال الإمام أبو حامد الغزالي : لا يطلق اسم الصحبة إلا على من صحبه ، ثم يكفى في الاسم من حيث حيث الوضع الصحبة ولو ساعة ، ولكن العرف يخصصه بمن كثرت صحبته . قلت : وأصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على ما شرطوه كثيرون ؛ فان رسول اللَّه شهد حنينا ومعه اثنا عشر ألفا سوى الأتباع والنساء ، وجاء إليه هوازن مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم ، وترك مكة مملوءة ناسا ، وكذلك المدينة أيضا ، وكل من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين ، فهؤلاء كلهم لهم صحبة ، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان ، وكذلك حجة الوداع ، وكلهم له صحبة ، ولم يذكروا إلا هذا القدر ، مع أن كثيرا منهم ليست له صحبة ، وقد ذكر الشخص لواحد في عدة تراجم ، ولكنهم معذورون ، فان من لم يرو ولا يأتي ذكره في رواية كيف السبيل إلى معرفته ! . وهذا حين فراغنا من الفصول المقدمة على الكتاب ، ثم نخوض غمرته فنقول : نبدأ بذكر سيدنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم تبركا باسمه ، وتشريفا للكتاب بذكره المبارك ، ولأن معرفة المصحوب ينبغي أن تقدم على معرفة الصاحب ، وإن كان أظهر من أن يعرف . لقد ظهرت فما تخفى على أحد * إلا على أحد لا يعرف القمرا لكن الأكثر يعرفونه جملة فارغة عن معرفة شيء من أحواله ، ونحن نذكر جملا من تفاصيل أموره على سبيل الاختصار ، فنقول وباللَّه التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل :
--> [ ( 1 ) ] هو القاضي أبو بكر محمد بن الطيب ، المعروف بالباقلاني ، المتكلم المشهور . توفى سنة 403 .